غادر المنخفض الجوي بأمطاره ورياحه العاتية المنطقة، مخلفاً خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وتاركاً معاناة شديدة في صفوف النازحين.
لكن ورغم مغادرة المنخفض الجوي، وتوقف الامطار، إلى أن البرد القارس مازال حاضراً وبقوة، ينهش أجساد الأطفال، ويفتك بالصغار والمرضى، ويعرض حياة المسنين للخطر.
نازحون في خطر
وشهدت الأيام الماضية هبوب رياح سيبيرية باردة، خاصة خلال ساعات الليل، أدت إلى انخفاض درجات الحرارة بشكل كبير.
وتسبب البرد القارس الذي جاء في ظل ظروف عصيبة، واهتراء الخيام، في وفاة طفل، ودخول عشرات الأطفال المشافي، بعد تدهور حالتهم الصحية.
فقد توفي الطفل سعيد عابدين جراء البرد القارس، وهو الطفل الثاني الذي يرتقي بردًا في خيام النازحين بغزة، خلال أيام، وبذلك يرتفع عدد الوفيات التي وصلت المستشفيات نتيجة المنخفض الجوي والبرد الشديد في قطاع غزة إلى 13 حالة وفاة.
من جهته قال اسعيد والد الطفل سعيد، "منذ يومين ونحن نموت من البرد، حتى تجمد سعيد فجأة"، رغم أنه ووالدته فعلت كل شيء من أجل حمايته".
وأكد رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي الدكتور أحمد الفرا أن وفاة الأطفال الخدج بسبب إقامة عائلاتهم في خيام مهترئة على البحر وهذه الظروف لا تناسب البالغين بالأساس وقاتلة للأطفال، لاسيما إذا ما طالت مدته.
وأضاف الفرا: "مع الأسف نتوقع استمرار وفيات الأطفال جراء البرد، وعدم إدخال الكرفانات والبيوت المتنقلة وعدم توفر وسائل التدفئة الكافية في الخيام.
من جهتها أكدت الأمم المتحدة بأن قرابة 55 ألف عائلة فلسطينية في قطاع غزة تضررت من الأمطار الغزيرة والعواصف التي ضربت المنطقة مؤخرًا، ما ألحق أضرارًا جسيمة بممتلكاتها وأماكن إيوائها.
وأكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، في أحدث تصريحاته أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) قدّر تأثر آلاف العائلات في مختلف مناطق القطاع، حيث تعرضت مساكنها للتضرر أو الدمار نتيجة الأحوال الجوية القاسية.
وأشار إلى أن العواصف تسببت أيضًا في إلحاق أضرار بعشرات المساحات الصديقة للأطفال، ما أدى إلى تعطّل برامج حماية الطفل، الأمر الذي انعكس سلبًا على نحو 30 ألف طفل في أنحاء متفرقة من غزة.
وحذر حق من أن القيود الإسرائيلية المستمرة ما زالت تعيق عمل منظمات الإغاثة الإنسانية، وتحدّ من قدرتها على توسيع تدخلاتها والاستجابة بشكل أسرع للاحتياجات المتزايدة في القطاع.
من جهته أكدت منظمة العفو الدولية "أمنستي" أن وفيات الفيضانات في قطاع غزة كان من الممكن منعها تمامًا ولا يمكن عزوها فقط إلى سوء الأحوال الجوية.
وأكدت المنظمة أن حجم الدمّار الذي خلفته الأمطار الغزيرة تَفاقم بسبب القيود الإسرائيلية المستمرة على دخول الإمدادات الحيوية اللازمة لإصلاح البنية التحتية الأساسية، مشيرة إلى أن التحذيرات كانت واضحة وما جرى لم يكن حادثًا طبيعيًا بل مأساة كان يمكن تفاديها بالكامل.
وتابعت المنظمة الدولية: "لا يمكن تحميل الطقس السيئ وحده مسؤولية مشاهد الخيام المغمورة بالمياه والمباني المنهارة في غزة.. ما يحدث هو نتيجة متوقعة للإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل" وسياسة الحصار المتعمد التي تمنع دخول مواد الإيواء والإصلاح للمُهجّرين".
وأضافت: على "إسرائيل" أن ترفع فورًا حصارها القاسي عن غزة.. يجب السماح بدخول غير مقيّد للسلع الأساسية ومواد الإصلاح والإمدادات الإنسانية.
بيئة قاسية
كشف الشتاء الحالي وهو الأصعب منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، العيوب والمشاكل البيئية في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، والتي قست على النازحين، وتسببت بمشاكل كبيرة لهم.
ووفق رئيس بلدية خان يونس علاء الدين البطة، فإن منطقة المواصي هي في الأصل مناطق زراعية وتربتها طينية وغير مستوية وتضم مساحات منخفضة وأخرى مخصّصة لتجميع مياه الأمطار.
وأوضح البطة أن المواطنين نصبوا خيامهم في هذه المناطق ويغرقون في كل عام وتحدث كارثة، لكن هذا العام وبسبب الامطار الغزيرة والسيول، كانت حالات الغرق أكبر.
وأكد أنه وبعد حدوث موجات نزوح جديدة، خاصة بعد إخلاء مدينة رفح، دفع اكتظاظ النازحين بعضهم لنصب خيامهم في مناطق كانت مكبّات نفايات أو مصارف للصرف الصحي، ما عرضهم لاحقاً لمشكلات كبيرة.
وأشار البطة إلى أن غرق الخيام أمر سهل الحدوث وهذا يفسّر الكارثة التي تحدث في كل موسم شتاء، وتعمقت في هذا الموسم.
وأكد البطة أن البلدية وجّهت نداءات استغاثة وسلّمت تحذيرات للمواطنين منذ تشرين ثاني الماضي، وطالبتهم بعدم البقاء في المناطق المُصنّفة خطرة، لكن المواطنين بقوا في تلك المناطق لعدم توفر بدائل أو وسائل نقل أو أماكن أخرى.
وأشار البطة إلى أن الجهات المختصة بدأت بإخلاء نحو ألف خيمة من مناطق خطرة في مواصي خان يونس لمنع حدوث كارثة، وأوضح أن البلدية بالتعاون مع مؤسسات دولية وعربية شرعت في إخلاء تجمّعات خطرة للنازحين.
ولفت إلى أن طواقم البلدية أَخلت أكثر من 300 خيمة من مناطق منخفضة وخطيرة قرب شاطئ البحر ومناطق أخرى، حيث جرى تجهيز مخيمات جديدة قرب مدينة حمد السكنية لإيواء الأسر التي يتم إخلاؤها.
وتابع البطة: نقلنا عددًا من النازحين إلى المخيمات الجديدة وتم تأمين مواصلات لهم بالتنسيق مع جهات عدة...لدى البلدية سجل بنحو ألف خيمة في مناطق خطرة وتعمل على إخلائها رغم المعيقات المتعلقة بتوفير البدائل، والحملة مستمرة وسيتم إخلاء مزيد من العائلات خلال الأيام المقبلة.
ويبلغ طول منطقة المواصي 14 كيلومترًا وعرضها كيلومترًا واحدًا، وتشكل حوالي 3٪ من قطاع غزة، وهي منطقة زراعية قليلة المباني، وقبل الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، كانت منطقة المواصي محاطة بالمستوطنات الإسرائيلية في "غوش قطيف".